الشيخ الطبرسي
382
تفسير مجمع البيان
فنظر فيه ، وقال : أين الحقة فأتي بها وحركها ، وجاءه جبرائيل عليه السلام فأخبره ما في الحقة ، فقال : إن فيها درة يتيمة ، غير مثقوبة ، وخرزة مثقوبة ، معوجة الثقب . فقال الرسول : صدقت فاثقب الدرة ، وأدخل الخيط في الخرزة . فأرسل سليمان إلى الأرضة ، فجاءت فأخذت شعرة في فيها ، فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر . ثم قال : من لهذه الخرزة يسلكها الخيط ؟ فقالت دودة بيضاء : أنا لها يا رسول الله . فأخذت الدودة الخيط في فيها ، ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر . ثم ميز بين الجواري والغلمان ، بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم ، فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ، ثم تجعله على اليد الأخرى ، ثم تضرب به الوجه . والغلام كان يأخذ من الآنية ، يضرب به وجهه . وكانت الجارية تصب على باطن ساعدها ، والغلام على ظهر الساعد . وكانت الجارية تصب الماء صبا ، والغلام يحدر الماء على يده حدرا ، فميز بينهما بذلك . هذا كله مروي عن وهب وغيره . وقيل إنها أنفذت مع هداياها عصا ، كان يتوارثها ملوك حمير ، وقالت : أريد أن تعرفني رأسها من أسفلها ، وبقدح ماء وقالت : تملأها ماء رواء ليس من الأرض ، ولا من السماء . فأرسل سليمان العصا إلى الهواء ، وقال : أي الرأسين سبق إلى الأرض ، فهو أسفلها . وأمر الخيل ، فأجريت حتى عرقت ، وملأ القدح من عرقها ، وقال : ليس هذا من ماء الأرض ، ولا من ماء السماء . ( فلما جاء سليمان ) أي : فلما جاء الرسول سليمان ( قال أتمدونني بمال ) أي : تزيدونني مالا . وهذا استفهام إنكار ، يعني أنه لا يحتاج إلى مالهم ( فما آتاني الله خير مما آتاكم ) أي : ما أعطاني الله من الملك والنبوة والحكمة ، خير مما أعطاكم من الدنيا وأموالها . ( بل أنتم بهديتكم تفرحون ) إذا هدى بعضكم إلى بعض ، وأما أنا فلا أفرح بها . أشار إلى قلة اكتراثه بأموال الدنيا . ثم قال عليه السلام : للرسول ( إرجع إليهم ) بما جئت من الهدايا ( فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ) أي : لا طاقة لهم بها ، ولا قدرة لهم على دفعها ( ولنخرجنهم منها أذلة ) أي : من تلك القرية ، ومن تلك المملكة . وقيل : من أرضها وملكها ( وهم صاغرون ) أي : ذليلون ، صغيرو القدر ، إن لم يأتوني مسلمين . فلما رد سليمان الهدية ، وميز بين الغلمان والجواري ، إلى غير ذلك ، علموا أنه نبي مرسل ، وأنه ليس كالملوك الذين